| — |
علي بن ابي طالب كرم الله وجهه كم ستعيننا هذه النظرة العبقرية على تخطّي الأزمات وتجاوزها، توازن رائع بين ما يمكننا أن نؤثر به ونوقفه، وبين ما علينا أن ندعه يمر بأقل خسائر ممكنة، دون عجز، او جزع |

تحدّثت في المرة الماضية عن كتابة «رسالة الحياة» ، بكونها الخطوة الأولى في رحتلي نحو البساطة، وربما لم أشر إشارة واضحة أنني لم أكن أقصد عند حديثي عن الأهداف، الأهداف الشخصية، ولم أقصد النجاح الفردي.
بل على العكس، غالبًا ما ترتبط الأهداف الفردية بقيم مثل الماديّة والإستهلاك وشراء أشياء أكثر وأكبر وأحدث بإستمرار (مضاعفة القدرة الشرائية، ثم إثبات ذلك عبر تكديس السلع).
الرسالة التي كنت أقصدها تحمل همّ المجتمع، هي شعورك بالمسؤولية تجاه الآخرين الذي يعيشون بينك في بيئتك، ومعك في هذا العالم!
حسّ المسؤولية تجاه جعل العالم مكانًا أفضل، وتحسين حياة الآخرين، عبر مكافحة الظلم والإستبداد والجهل والتخلف والفقر بكل أشكاله الكثيرة جدًا، ومن أدنى المستويات إلى أعلاها (ليس بالضرورة بشكل مباشر، قد يكون ذلك بتحصيل حاصل).
هذه الرسالة التي أؤمن بها، رسالة : إنّي جاعلٌ في الأرض خليفة، رسالة عبادة الله، إلهٌ واحدٌ حقٌ، بكل ما تشمله هذه الكلمة على معانٍ غير منتهية.
الآن يمكنني الحديث عن الخطوة الثانية وهي : تغيير العقلية.
وهذه الخطوة أيضًا لا تتأتى من قراءة عدّة مقالات وحسب، لقد بقيت أقرأ أشهرًا طويلة في مدونات عدّة وأفكّر دومًا بالذي أقرأه، حتى حصلت على عقلية تؤمن بما تقرأ وتسبغ ذلك على الشعور ومن ثمّ على السلوك.
تغيير العقلية يشمل مثلًا أن تؤمن بمبدأ الخفّة، وهذا يشبه من يريد أن يخوض سباقًا ما، إنه يرتدي ملابسًا خفيفة بحيث تكفيه بالحد الأدنى دون أن تعيقه بوزنها الزائد عن مواصلة سباقه.
تختلف قيادتك لسيارتك مثلًا عندما تقودها بوزنٍ ما، وبين قيادتك لها بضعف هذا الوزن.
تخيّل نفسك مسافرًا إلى غابة معينة لإجراء دراسة حيّة على نوع من أنواع الحشرات، وتحتاج لعدّة أدوات بسيطة فقط، البعض يسافر مع حقيبة ظهر واحدة، والبعض يسافر بحقائب عدّة، الأخف والأكثر بساطة هو الأقرب لتحقيق هدفه بتركيز ومتعة وسرعة أكثر!
هذا هو مبدأ أن الأقل أفضل، أن تقلل من حملك المادي حتى تنجز رسالتك على هذه الأرض.
أن تؤمن بأن الأقل أفضل، ليس فقط بهدف عدم التركيز على المادّة والتخفف منها، لكنه يعني أيضًا أعمالًا أقل بجودة أعلى.
المزيد من التمهّل والتروي والأناة.
الأمر الذي يتيح لك وقتًا أطول للعزلة التي ستقضيها في القراءة والتفكير والتأمل.
أن تتجه للحصول على المتعة والسعادة من الأشياء البسيطة التي إعتاد الجميع على وجودها.
هذا عرضٌ سريعٌ لأبرز ملامح الحياة البسيطة، هذه هي المبادئ التي أهدف هنا إلى إيصالها بأساليب عدّة، نحن نسمع دومًا بعض النصائح والإرشادات حول درس الحياة البسيط، وأن المادة ليست كل شيء، وأن خلوة المرء مع نفسه مهمة لإنجاز الأشياء الأكثر عمقًا ..
لكن النصائح والإرشادات لا يمكنها أن تتحول إلى سلوك، ومن ثم أسلوب حياة، ما لم يسبق ذلك تغيير في العقلية.
هذه المدونة هدفها أن تحدث فرقًا في طريقة تفكيرك تجاه المعاني التي ذكرناها.
إقرأ وتأمل بما تقرأ دومًا وناقشه مع نفسك أو مع من تأنس مشاركته هذه الأفكار.
بمجرد أن تترسخ هذه المعاني في وجدانك … ستصبح عندها كل الخطوات الأخرى سهلة وقابلة للتحقيق بمتعة وشعور بفائدتها.
شيئًا فشيئًا سيختفي الصوت الذي يحدثك الآن بأن هذا حديثٌ مثالي، لا تحبه أو ترتاح له .. لتجد -بعد فترة- المتعة الحقيقية والسعادة في ذلك وأنت تنجز بشغف وتركيز أكثر
| — |
قالها صلى الله عليه وسلم لأشجّ عبد القيس وذلك أنه جاء مع وفد قومه فلما وصلوا مسجد رسول الله قفزوا إلى لقائه صلى الله عليه وسلم من فوق رواحلهم، أما هو فقد عمد إلى الرواحل فعقلها وبدل ملابسه وتطيب ثم ذهب الى رسول الله علام تستعجل يا صديق؟ استيقظ باكرًا أكثر، حتى تستمتع ببداية مريحة تحلّى بما يحب الله : الأناة |
أعاني شخصيا من مشكلة عدم المداومة على أمر ما بشكل منتظم، وأدري أنه تحدّ كبير بالنسبة للكثيرين، المثابرة على مقدار معين من القراءة، الالتزام بتمارين رياضية يوميا، تنمية مهارة معينة تحتاج منا الدأب والممارسة المستمرة، الإنفاق والتصدق يوميًا بمبلغ ما، كتابة اليوميات بشكل منتظم…
لم تجد معي مختلف الطرق للاستمرار على أي من النشاطات التي أرغب بها، إلى أن أتتني نصيحة رائعة جدا بخصوص كتابة اليوميات، وهي الالتزام بعدد محدد وقليل من البنود..اكتب حولها يوميا، بنود منفصلة مستقلة، لا تتجاوز الستة على الأغلب، تسهل عليّ حصر أفكاري لكتابة مذكراتي وتجعل الأمر سهلا وسلسا.
نجحت إلى حد كبير في تطبيق هذه الفكرة، وخطر لي إمكانية تطبيقها على كل ما تتعسر مداومته يوميا، إذ أرى أن السرّ الأول في ذلك يمكن في قلّة العدد وتحديده ، مما يجعل عبئه النفسي أخف، وما يحتاجه من وقت وجهد أقل، فتصبح –نتيجة لذلك- ممارسته اليومية أيسر بالتأكيد
ذكرني ذلك كله - ولا عجب- بالحديث النبوي القائل:
“أحب الاعمال إلى الله أدومها وإن قلّ”
إذ أشعر أن ديمومة هذه الأفعال، الصفة التي أكسبتها محبة الله عز وجل، آتية لا ريب من الشقّ الثاني من الحديث “وإن قلّ”، فالقليل لن يبقى قليلا بالمداومة عليه، ولا الكثير سيبقى كثيرا إن هو انقطع وتوقّف، يوجّهنا هذا الحديث إلى الالتفات لخواتيم الأعمال، فاستمرارنا بعمل قليل يوميّ، قد لا يعطينا نتيجة مباشرة -كقراءة تفسير آية واحدة يوميا مثلا- لكن نتائجه على المدى البعيد، “خواتيمه” ستكون رائعة ومرضية في حال دوامه.
الالتزام بالأقل الدائم..هو كذلك حل رائع لحماسة البدايات التي سرعان ما تخبو لدى الجميع، حماسة البدايات المرتبطة عادة بالجهد الكبير والتفرغ الكامل ، تجعلنا نفكر بان استمرارنا بهذا النشاط سيحتاج منا هذا التفرغ اليومي، الأمر الذي يثنينا عادة عن المتابعة في ذاك الدرب..
لكن التزامنا ومن البداية بجهد ووقت نستطيع الاستمرار عليه، كفيل باستمرار حماستنا وإتمام مشروعنا.
العمل القليل الدائم، يوجهنا أيضا لأهمية صغائر الأمور وما لا نلتفت إليه في ترسيخ عاداتنا وتكوين شخصياتنا، فكم من كلمة تناقلناها مزاحا فغدا تكرارها لازمة لا ارادية في سياق كلامنا، وكم من شيء ركنّاه في غير موضعه، ولّد فوضى يحتاج ترتيبها وتنظيمها ساعات كان سيغنينا عنها جهد بسيط في اعادة الحاجة لمكانها عقب استخدامها.
قطعة واحدة من الثياب لا نعيدها لمكانها كفيلة بخزانة تعج بالفوضى ، كتاب أو أوراق نهمل ترتيبها على الرف اليوم ستنتج فوضى تحتاج لجهد ووقت كبيرين بعد مدة وجيزة..
قليل؟ ربما، لكن تأثيره سيكون كبيرا على المدى البعيد، سواء بتأثير سلبي أو إيجابي..
فلا تحقرنّ من الأعمال شيئا، ولا تكلف نفسك إلا وسعها..

تجربتي مع البساطة ما زالت متواضعة جدًا، مع ذلك أرغب في عرض بعض جوانبها، فالكتابة أولا تبلور أفكارنا، وتجعلنا نفهم أنفسنا أكثر (الفهم كشرط أساسي للتغير)، وأخيرًا هي قد تشجع البعض على اتخاذ خطوات الى الامام في تبسيط حياتهم.
قصتي مع البساطة بدأت عندما افتتح المدوّن عبد الله المهيري مدونته “الطريق الأبسط” التي أظنها أول مدونة عربية تتناول قيم الحياة البسيطة وأفكارها وتجلياتها، يومها رأيت في النص على الشاشة ما شعرت دومًا انه مركوز في داخلي منذ زمن طويل.
تابعت المدونة كل اثنين وجمعة (حسبما أذكر)، وهكذا إلى أن أعلن عبد الله أن المدونة تمكنت من ايصال الفكرة التي يرغب بها، وأنه سيتوقف عن الكتابة بها (لاحقًا تراجع عن هذا القرار).
كل الأفكار التي قرأتها على مدى أشهر طويلة بقيت متخمرة في ذهني، إلى أن عدت يومًا للمدونة لأبحث عن روابط لمدونات تتحدث عن البساطة كان المهيري قد روج لها، وهكذا تعرفت على واحد من أفضل المواقع وأكثرها تأثيرًا عليّ، وهو موقع ZenHabits
فعكفت (منذ قرابة العشرة أشهر) على الموقع أقرأ فيه بنهم وليزداد فهمي للفكرة اكتمالا ونضجًا.
الخطوة العملية الأولى كانت في خلوتي مع نفسي، لأستكشف من جديد القيم الأكثر أهمية التي أرغب في العيش وفقها، بها ولأجلها.
لم يكن يصعب عليّ تحديد ذلك، فهذه الجلسة أدمنتها منذ سنوات خمس، يبدأ الأمر مع ذاتك بشكل ضبابي، مبهم، وشيئًا فشيئًا، جلسة وراء أخرى، تبدأ بفهم نفسك أكثر، وفهم ما تريد، لم خلقت، وماذا تريد أن تكون، وكيف تريد أن تحيى، وماهي القيم الأكثر أهمية حياتك.
لم تكن إذًا هذه الجلسة نقطة البداية بقدر ما كان جلسة أخرى، تحققت بها من مدى مطابقة ما هو مكتوب على الورق مع ما هو موجود في أعماق قلبي.
(لا تتوقع الوصول للحقيقة من أول مرة او عاشر مرة، اللآلئ دومًا في العمق، استمر في التنقيب والبحث في داخلك).
لكن لم كانت هذه هي الخطوة الأولى ؟
البساطة -بفهمي- هي الأداة التي تمكنت من التخلص من كل ما يثقلك ويعيقك عن أن تحيى حياتك وفقًا للقيم الكامنة في أعماقك.
البساطة تعينك على التحرر (من الخوف، من القلق، من ملكية الأشياء لك! …) كي تحقق المعنى من وجودك وتشعر بالسعادة.
البساطة تتضمن أشياء مثل الابتعاد عن الاستهلاك، التقلل من الحمل المادي، التخفف من كل الارتباطات السطيحة (مع نفسك، ومع الآخرين، ومع الأشياء)
والهدف من كل ذلك هو أن تتمكن من التركيز أكثر على قيمك الأساسية في الحياة، وأن تملك القدرة على العيش وفقها، والسير نحو أحلامك متحررًا من خوفك.
فإذا لم تعرف بعد ماهي هذه القيم الأساسية التي تكمن في أعماق قلبك، وإذا لم تملك أهدافا تشعر بالشغف لتحقيقها، عندها سيدو السعي لحياة بسيطة شيء ملل وكئيب.
معظم الناس تكسب حياتها معنى من خلال الاستهلاك والشراء والزخارف والمظاهر، إنها ليست متحمسة للعيش وفق كلمة : أقل
لأنه لا بديل!
لا بد من أن يكون البديل، نمط الحياة البديل، موجودًا، على الأقل على الورق .. عندها ستبصح الرحلة نحو البساطة ممتعة مليئة بالحماس والشغف، فكلما عشت وفق كلمة : أقل، نمت كلمة : أكثر، في حياتك:
سطحية أقل، عمق أكثر
استهلاك أقل، انتاج أكثر
مظاهر أقل، معنى أكثر
إن كنت جادًا في تبسيط حياتك، فعليك معرفة لم أنت هنا على كوكب الارض ؟ (يتصادف وجودك بيننا لرسالة مهمة لن يستطيع أحد سواك تحقيقها بطريقتك المميزة)
استكشف الطريقة التي لطالما شعرت أنه يتوجب عليك أن تحيى وفقها.
ما هي الأشياء التي لطالما رردت أنه يترتب عليك الإلتزام بها ؟
عندما تملك رؤية واضحة للأمور جميعها، سيكون بإمكانك البدء بالرحلة
كانت التدوينة الأخيرة التي تحدّثت عن مفهوم السهولة المعاصر الذي يروج له أحيانًا كرديف للحياة البسيطة (وما هو برديف)؛ موضع نقاش ثريّ جدّا بيننا -أنا وطريف- ، إذ تكلّمت بشكل واضح عن نبذ الاستسهال وعدم الاستجابة التي انتشرت اليوم لتجعله سمة للحياة المعاصرة.
بينما كنت أرى أنه إذا كان نمط الحياة السهل لا يمتّ للبساطة بصلة، فلم إذن كل تلك الاحاديث النبوية الشريفة التي تدعو للتيسير في حياتنا، ليس أولها “يسّروا ولا تعسّروا” وليس آخرها ” ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه“، تفسير البعض للتيسير هنا بأنه تيسير فقهي وشرعيّ فحسب، لا يمنع أن يكون اليسر سمة حياتية معاشة أيضًا، وكيف لا يكون وقد دعا النبي صلّى الله عليه وسلّم للتيسير حتى بالمهور (وقد ناقشنا هذا الحديث في تدوينة سابقة).
لكن، علينا أن نلاحظ أن انتهاج اليسر والحثّ عليه لم يمنع النبي صلّى الله عليه وسلم ولا صحبه من عيش الدأب والعمل الجادّ واجتياز العثرات والتحدّيات، فكيف تكون دعوات الاستسهال اليوم بهذه السلبية والحض على التراخي؟
وما الفارق الجوهريّ بين هذه الدعوات وتلك؟
لفت نظرنا عند هذه النقطة لفظتا سهل ويسر، إذ اعتبرناهما بشكل افتراضي وخلال النقاش كاملًا رديفين بمعنى واحد وهو:اللين وسهولة الانقياد.. لكنّ هذا اللبس في المعاني ما بين الدعوة لليسر ونبذ الاستسهال، وورود لفظة “يسر” دون غيرها في أحاديث النبي صلوات الله عليه، جعلني أغوص في المعاجم أكثر، أملًا بإجابة تشفي ظمأ العقول السؤولة…وإليكم نتاج بحثنا:
حسب معجم “مقاييس اللغة” فإن السين والهاء واللام أصلٌ واحد يدلُّ على لينٍ، ويقال النّسبةُ إلى الأرض السَّهلة سُهْليٌّ.، ويقال أسْهَلَ القومُ، إذا ركبوا السَّهل.
فالسهل إذن، هو أمر نحصّله دون مشقّة أو كثير جهد كمن يمشي على أرض سهلة، أما عن اليسر فيقول المعجم ذاته: الياء والسين والراء: أصلانِ يدلُّ أحدُهما على انفتاحِ شيءٍ وخِفّته، والآخرُ على عُضوٍ من الأعضاء.فالأول: اليُسْر: ضِدُّ العُسْر.
واليَسَرات القوائم الخِفاف.
ويقال: فرسٌ حَسَنُ التَّيْسُور، أي حَسَنُ نَقلِ القوائم.
وهنا يظهر الفرق بينهما جليّا واضحا:
فالأمر السهل:هو أشبه بمن يمشي على أرض سهلة، بغض النظر عن تخفّفه من المتاع والماديات، هو اختار هذا الطريق لأنه الأسهل، لأنه ما ثمّة عوائق ستعترضه في هذا السهل، هل هذا هو الطريق الذي سيؤدي به إلى الوجهة الصحيحة؟ هل سيتقن ما يريد من خلال اتباعه تعليمات هذا الكتاب “السهلة” التي تدعي أنه سيغدو محترفا في أسبوع؟ لا يهم حقيقة، المهم انه يسير على طريق سهليّ، وكفى!
أما اليسر: فهو أشبه بمن يحمل حقيبة خفيفة تضمّ كل ما يحتاجه في رحلته من أولويات على ظهره، يسهل معها تنقّله ، لن يضيره تسلّق لجبل أو صعود تلّة، هو لا يهتم أن يكون طريقه “سهلا”، بل يهتم بالدرجة الأولى أن يكون مصيبا باختياره، متخفّفا مما لن يحتاجه على طول دربه، يحمل معه من المتاع ما يسهل انقياده له (وأحد مرادفات اليسر هو الهيّن سهل الانقياد)، وستكون على الرغم من ذلك رحلته بسيطة ميسّرة، ولو سلك طِوال السبل وتعرّض لعثراتها.
فالفرق بين السهولة واليسر، هو تماما كالفرق بين حياة الدعة والاسترخاء، وحياة البساطة والانتاج!
الآن فقط، بت أفهم الحديث بشكل أعمق، بتّ أرى أن تحديدي للطريق الصواب “مالم يكن إثما” يأتي في البداية، بغض النظر هل هو طريق سهليّ أم جبليّ، مع اليسير من الزاد الذي سيسهل تنقّلي معه، هذا هو طريقي “الأبسط” الذي سأمشي به حتمًا!
أدري مسبقا أن رحلتي البسيطة تلك -مع يسرها- لن تكون سهلة بالضرورة، لكنني لا أرى في ذلك ما يضير!
فماذا عنكم؟
واحدة من الأمور التي أهتم دومًا بتوضيحها عند الحديث عن الحياة البسيطة
هي ان البساطة لا تعني السهولة.
أولًا نحن نعيش في عالم يعشق السهولة، ويتم برمجة أفراده على هذا الخيار،
نريد باستمرار أن نحقق أفضل النتائج بأقل مقدار ممكن من الجهد.
نريد ان نبني لياقة بدنية استثنائية بأسرع وقتٍ ممكن ودون الحاجة الى
الاستمرار لأشهر طويلة في الدأب على ممارسة التمرينات الرياضية.
نريد تحقيق النجاح في عملنا دون ان نقضي آلاف (!) الساعات في التدرب
والتعلم وبذل الجهد.
نحلم بحياة مليئة بالسعادة، وبنفس الوقت نتجنب كل الممارسات التي من
شأنها أن تحقق ذلك (القراءة، وضع الاهداف والالتزام بها، الاستيقاظ
مبكرًا).
وتعمل الآلة الإعلامية على تعزيز هذا التوجه: بشرة نقية في سبعة أيام،
حقق أحلامك بقرض تحصل عليه في يوم واحد، انعم بهواء بارد عليل بكبسة زر
..
توحي الينا التقنية الحديثة (التي غزت كل تفاصيل حياتنا) ان كل ما نحتاج
اليه لتحقيق سعادتنا يتطلب منا ضغطة واحدة : نقرة واحدة واستمتع بطعم
السعادة المعبّأ في قارورة زجاجية، نقرة واحدة واطلب الوجبة التي تريد
(وستكون أمامك بعد ثلاث دقائق) ..
حتى عناوين الكتب : تعلم الإنكليزية في سبعة أيام! تعلم برمجة باسكال في
ثلاثة أيام !!
كل هذا النمط من السهولة غير متضمن عند الحديث عن الحياة البسيطة.
الأعمال العظيمة والعيش بأسلوب يترك أثرًا بعد رحيلك يتضمن مفردات مثل :
العمل الشاق، الصبر، الدأب، الالتزام، المثابرة، الاصرار .. ويتضمن دومًا
اختيار القيام بما هو صواب وخير مقابل ما هو سهل وهيّن ..
أضرب لذلك أمثلة : تسخين الطعام بالمايكرويف اسهل واسرع من استخدام
الموقد، لكنه مضر للصحة بشكل ثابت وكبير.
قراءة مقال خفيف اسهل من التعمق في كتاب جدي يغيّر طريقة تفكيرك، الاول
مثل الزبد والآخر هو ما ينفعك.
لا تنخدع بشبح السهولة لتكون هي معيارك في كل اعمال حياتك، اهتم فقط بما
هو صواب وخير.
هل هذا يعني انه لا يتوجب علينا اختيار الامر السهل والبحث عن الاصعب ؟!
كلا! لم أقل ذلك، من منا لا يرغب في توفير جهده ووقته والحصول على المزيد
من الراحة، أقول بألا تتحول السهولة الى معيارنا الأول و الوحيد في
الاختيار، بل ان تكون ضمن إطار الصواب والخير (والذي يحتم علينا غالبا
اختيار الاصعب واحيانا اخرى أقل : الأسهل)
كم عدد الذين يقولون ان تعلم الانكليزية صعبًا ؟ يمكنني ان أجزم بأنهم
ملايين .. مع ذلك فهناك ملايين أخرى يتقنون الانكليزية ويقولون بأنها
سلهة.
كم عدد الذين يقولون ان تعلم برمجة الحاسوب امر صعب ؟ الكثيرون جدًا ..
وأيضًا الملايين يشعرون بالمتعة أثناء ذلك.
عندما تباشر دومًا بتعلم أي شيء جديد، بدءًا من لعبة الشطرنج وحتى دراسة
كتاب في الفلسفة او تعلم نظرية في الفيزياء النووية، دائمًا هناك شعور
بصعوبة هذا الشيء الجديد الذي ترغب في خوض غماره، هذا الشعور يثني
الكثيرين عن متابعة ما يرغبون في تعلمه للأسف، ويدرك البعض الآخر ان
التكرار والتدريب يفرغان معنى الصعوبة من الأشياء، فيستمرون .. وبعد فترة
يجدون ان ما كانوا يعتبرونه صعبًا للغاية منذ أشهر بات سهلا بالمطلق.
الحياة السهلة الهينة تخلق شخصية ضعيفة وهمة باردة وإرادة لينة، أما
العظمة فهي تكمن في على الضفة الثانية من المعاني.
أقول هذا لأن الكثيرين يفهم بأن نمط الحياة البسيط هو نمط يبحث عن
السهولة، يقولون لي : هذا أبسط، وهم يقصدون السهولة .. فأحببت أن أوضح
ذلك.

نموذج جيد لكيف يمكن أن تبدو المكاتب البسيطة.
المعيار هو ان يضم مكتبك ما تحتاج إليه فقط.
في هذا النموذج تم اختصار المساحة التي تحتاجها لوحة المفاتيح عن طريق
وضعها على طاولة اخرى اقصر تدخل في الطاولة الأكبر بعد الانتهاء من
العمل.
الفكرة الاساسية هنا هي ان المساحة هي التي تخلق الفوضى والتعقيد، عندما
يكون لديك طاولة بسطح واسع، فسيكون بإمكانك مراكمة الاوراق والكتب
والأقراص وعشرات الاشياء الاخرى، والتمتع بقطعة رائعة من الفوضى!
عندما لا تملك هذه المساحة سيكون أمر الحفاظ على البساطة والترتيب أكثر سهولة.
يمكنك انشاء طاولة كهذه عند نجار محلي في بلدك، ولو كنت لأفعل ذلك لأدخلت
بعض التعديلات بحيث تلامئني تمامًا.
- كنت سأطلب من النجار ان يفرغ دائرة بسيطة على المكتب حيث سأضع فنجان
القهوة او الشاي.
- طاولة الخشب يمكنها ان تكون معرقة - مثل خشب السنديان، بعبارة اخرى
ستكون تحفة فنية بسيطة.
- سيكون الكرسي هو الاخر من النوع القابل للدخول في الطاولتين وهكذا
تختصر المساحة الى حدها الادنى.
تصادفنا في سعينا لتبسيط حياتنا، دعوات ونصائح كثيرة، جميعها تصبّ في نفس الاتجاه، وتهدف لذات الهدف، لكنّ التزامنا ببعضها ’حرفيّا‘ قد يؤدّي لتعقيد حياتنا دون أن نشعر!
دعوات مثل: الاعتماد على 100 غرض أساسي للعيش، والتدوين بحد أقل من 200 كلمة، وضع حاجاتك جميعها في حقيبة واحدة، وغيرها…
جميع هذه الدعوات تتفق على هدف واحد: أن نسأل أنفسنا حيال جميع ممتلكاتنا ” هل نحن بحاجة لهذا الأمر فعلا، أم أننا نستطيع الاستمرار ’بخفّة ‘ بدونه”
إلزام أنفسنا بتحديات كهذه “بشكل حرفي” ربما سيعطّلنا، أو يلزمنا بأمور ظاهرها وهدفها الأساسي التبسيط، باطنها ومؤدّاها -بالنسبة لنا- التعقيد..
سمة الحياة البسيطة الأساسية هي المرونة، القدرة على التخفف والتحرر من القيود، وممارسة الحياة بخفّة أكثر، إذ ليس لها نمط مثالي نسعى له، أو صورة معيّنة لا تصح إلا بها..
الأمر أبسط من هذا، نهج عام يحياه كل منّا على طريقته..وبالأسلوب الذي يحقق له حركة أسهل
ليس الأقل دائما هو الأبسط، الأبسط هو ما يلبي لي احتياجاتي بشكل مريح، تدويني لمقالتي بشكل يوصل المعنى (سواء أحتجت 100 كلمة أم 600 لإيصاله)، ويجعلني أمارس عملي بتحرر وخفّة، دون الشعور بقيود ما..
وهذا يختلف بين شخص وآخر بكل تأكيد..
في الأمر سعة دوما ت

